الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
14
القرآن نهج و حضارة
بعد هذه المقدمة تبيّن لنا أن أي واحد من هذه الأمور لا يمكن أن يكون بمفرده هو المعنى الوحيد ، والأصيل للحياة ، وجميعها وجدناها ترجع بالنتيجة إلى القرآن . فالقرآن وحده مصدر الحياة العملية حينما يتبع الإنسان برنامجه ويهتدي إلى نوره ، ويقف عند أوامره ، فيطبقها ، ويمر على نواهيه فيبتعد عنها . إذن الحياة في نظر القرآن ابعد من مجموعة ارتباطات مادية محدودة بحدود الأرض ، وإنما هي حياة يكون من ضمنها البقاء في الأرض . فالقرآن لا يلغي الحياة في الأرض ، فهي واقع بيّنه القرآن وأوضح كيفية الاستفادة منها والتكيّف وفق طبيعتها ، بشرط أن لا يفقد الإنسان إنسانيته ، وينزل إلى الحيوانية ، وذلك من خلال المشروع الدائم للإنسان الموجود في القرآن الكريم . فدعوة القرآن إلى الحياة قائمة على الإيمان وعلى العلم والعمل ، وبهذه يحيا الإنسان وبدونها يموت . فالقرآن يحيي قلب الإنسان ويغمره بالإيمان ، باعتباره مركز الحياة ، فحياته بحياة قلبه ، جاء في نهج البلاغة « إن الله لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن وفيه ربيع القلب وينابيع العلم » « 1 » فموت الإنسان ليس بجسده وإنما بقلبه ، فالميت قلبا في الحياة لا ذكر له حتى قبل موت الجسد ، والحي قلبا في الحياة فإنه يبقى رمزا حتى بعد فناء جسده ، لان الذي يخلد ويبقى هو عمل الإنسان ، جاء هذا الحديث عن الرسول ( ص ) ليؤكد هذه الفكرة فقال : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له » « 2 » الإنسان يسمو بقلبه وروحه والجسد يسمو بسموهما فلا قدسية للجسد ولا قيمة له إلا
--> ( 1 ) نهج البلاغة خطبة 176 ( 2 ) ميزان الحكمة ( ج 7 ) ص 14